أسامة خليل يكتب: أحلام الخطيب وواقعية طاهر

أسامة خليل يكتب: أحلام الخطيب وواقعية طاهر
الأحد - 19 نوفمبر 2017 - 12:00 ص"

علينا أولًا أن نتفق أن  ٢٥ يناير ٢٠١١ كان تاريخًا فاصلًا في إحياء الوعي للشعب المصري بكل فئاته وطبقاته ومستوياته التعليمية، وما كان يقبله قبل هذا التاريخ لم يعد يقبله بعده، فهو ليس المتلقي الأصم، الذي يتم تعبئة رأسه بما يفرضه عليه الإعلام أو بالقوالب الدعائية المُعلَّبة في الحملات الإعلانية.

فرؤوس المصريين الآن تكونت بها مجموعة من الفلاتر والمرشحات تكشف بها الصدق من الكذب، الحقيقة من الوهم، الصح من الخطأ، الحق من الباطل، الصالح من الطالح. لم يعد سهلًا أن تقنع الناس وتحصل على ثقتهم مهما تجَمَّلتَ وتحسنت ووضعت مساحيق الأحمر والأخضر والأصفر، فهم قادرون بوعيهم وذكائهم الذي تشكَّل في سنوات الأزمة والمعاناة والضيق بعد ٢٥ يناير أن يفرزوا لمَن يعطون ثقتهم.. لمَن يذهب صوتهم، وعلى من يقع اختيارهم لقيادتهم.

وانتخابات الأهلي اختبار مهم لكشف مدى وعي الناس بمصلحتهم وحرصهم على مستقبل ناديهم، وفرز مَن يجمِّل نفسه لكسب ثقتهم ومن يكلمهم بوجهه الحقيقي.

من هذا المنطلق تابعت المؤتمر الصحفي الذي عقده الخطيب في أحد فنادق النجوم السبعة، وحوله قائمته وأصدقاؤه من نجوم الكرة القدامى، الذين ترفعوا عن خلافاتهم الشخصية، وتوحدوا للدفاع عن بقائهم في إدارة النادي تحت لواء "بيبو". من هنا كان شعار الحملة "مجلس بروح الفانلة الحمراء"، وهو شعار خرج من المدرجات، معبرًا بصدق عن اهتمام تلك القائمة ورهانها على شعبية "الخطيب" كواحد من أساطير الكرة المصرية، الذي طالما أمتعنا بمهاراته وفنياته وموهبته الراقية.

ورغم أن الحملة بدأت بهذا الشعار الواقعي، الذي يعبر عن أفكارها واهتماماتها ورهانها، وهي مكاسب الكرة التي تحققت في عهد المجلس السابق برئاسة حسن حمدي ومعه الخطيب نائبًا، وهي للحق إنجازات عظيمة، فإن هذا الشعار تراجع خطوتين في المؤتمر الصحفي، وطُرح شعارٌ آخر (تاريخ، مبادئ، تطوير)، واستحوذت الكلمة الأخيرة من الشعار على الجانب الأكبر من المؤتمر، الذي شهد تطورًا جيدًا في تفكير الخطيب.

وأعترف أنها المرة الأولى التي يخوض فيها الخطيب الانتخابات ببرنامج محدد، حيث كانت قائمة حسن والخطيب لا تطرح برنامجًا للعمل، ويكفي الناس شرفًا أن هذه المجموعة قررت أن تخوض الانتخابات وتطرح نفسها للاقتراع، أما هذه المرة فبدا أن "محمود طاهر"، الذي ارتقى بفكرة (احترام آدمية العضو) وحقه في معرفة ماذا سيقدم مرشحه، بدا أن "محمود طاهر" أجبر الخطيب على أن يغير النهج الذي تربى عليه وآمن به طوال حياته حتى بلغ الثالثة والستين من العمر. وبالفعل قدم برنامجًا فضفاضًا، ووصل به الخيال أن جاء بشركة بريطانية لوضع تصور الاستاد في أيام معدودات، ووعودًا كثيرة تجاهل أن أغلبها حققه مجلس "طاهر" بالفعل على أرض الواقع.. مثل المناطق الترفيهية وحدائق الأطفال الموجودة على أعلى المستويات، وصالات الجيم الحديثة، ثم بلغ الطموح مداه عندما تحدث أنه سيشرع فورًا في بناء فرع النادي الجديد في التجمع الخامس(!)

وإذا كنت سأحيي الخطيب على اعترافه بتغيير منهجه، ووضع الأعضاء موضع الاحترام والتقدير في برنامجه الانتخابي، ثم ثنائه على المجهود الذي بذله "محمود طاهر"..  وهي أخلاق ليست غريبة على الخطيب، حتى وإن غاب عن النادي طوال فترة حكم المهندس محمود طاهر، إلا أنني مثل آلاف الأعضاء وملايين المصريين، الذين زاد وعيهم وباتوا يفكرون ويبحثون قبل إعطاء ختم الثقة، أتوقف عند ثلاث نقاط مفصلية أتمنى أن يجيب عليها الخطيب، ليس لشخصي ولكن للناس.

أولًا: كيف لي أن أصدق وأقتنع أن الخطيب سيقوم بإنشاء فرع التجمع الخامس إذا ما قدر الله ووفقه في الانتخابات.. وهو نفسه ومعه أربعة من أعضاء قائمته (العامري فاروق وخالد الدرندلي وخالد مرتجي ورانيا علواني) كانوا موجودين في مجلس الإدارة السابق، ولم يحركوا ساكنًا لبناء فرع الشيخ زايد الذي تسلمه النادي في موقعه الجديد عام ٢٠٠٤، وتركوه صحراء صفراء جرداء، يحيطها سور وبداخلها مبنى خرساني للإدارة. 

عشر سنوات كاملة ولم يتحرك الخطيب وهو نائب رئيس النادي ورئيس مكتبه التنفيذي للشروع في البناء، في وقت كان فيه الأهلي في أوْج انتعاشه المالي والاقتصادي والكروي.

فهل أفهم أن الكابتن حسن حمدي هو الذي وقف أمام مجموعة الخمسة بقيادة الخطيب في تنفيذ المشروع وبناء صرح الأهلي في الشيخ زايد؟ أشك. ولكن على الخطيب حتى يعطي لبرنامجه المصداقية أن يفسر لنا لماذا كان هذا التأخير في بناء فرع الشيخ زايد؟ ومن يضمن لنا أنه سيبني الفرع الجديد الذي اشتراه مجلس طاهر في التجمع الخامس؟

في المقابل ترى المشهد مختلفًا مع "محمود طاهر"، فالرجل لم يذهب إلى قاعة فخيمة في فندق سبع نجوم، ولم يدعُ نجوم كرة سابقين أو فنانين ولم يقدم الجاتوه والمشروبات الفاخرة لضيوفه.. بل ذهب هناك إلى موقع العمل، حيث أرض النادي الجديدة التي دفع مجلس الإدارة مقدمها قبل ثلاثة أشهر (٥٥ مليون جنيه كاش) من خزينته، وتسلمها قبل أسابيع. ومن داخل خيمة وعلى أرض رملية ووسط أعضاء النادي الذين تحملوا عبء الذهاب إلى الموقع في أتوبيسات جماعية، تحدث إليهم محمود طاهر دون شاشات عرض كريستالية أو إبهار إلكتروني مصطنع، وقدم لهم الماكيت الهندسي للمنشآت الرياضية والترفيهية، الذي تكلف ٢٥٠ ألف جنيه، ووضعوا (معًا) حجر الأساس لفرع النادي الجديد، ناهيك بأنه تم وضع الدراسة الاقتصادية للبدء في التنفيذ، حيث سيتم طرح الحجز على ألف عضوية تكون لها الأولوية في سعر الاشتراك الأقل، الذي يتراوح بين ١٥٠ و١٨٠ ألف جنيه.

ثم يُعرض "ماكيت" مبهر لشكل الفرع الجديد أمام دولاب الكؤوس والدروع، الذي تم تجديده مؤخرًا في المبنى الاجتماعي بفرع الجزيرة، وظهر بشكل بديع يدعو للفخر والزهو، وتحول هذا المكان المعتم، الذي يحمل تاريخ الأهلي وبطولاته وإنجازاته إلى مزار للأعضاء وضيوفهم، يأتون ليلتقطوا الصور التذكارية بجواره.. 

والرسالة هنا أظنها مختلفة وأقرب إلى المنطق والعقل والواقع والحقيقة، وهي رسالة مفهومة وواضحة وقابلة للتصديق، فالرجل نفسه قبل ثلاث سنوات ونصف السنة، وقف على أرض فرع النادي في الشيخ زايد وكانت على نفس الحالة تقريبًا، وبعد عام افتتح المرحلة الأولى وسط ذهول الأعضاء من سرعة الإنجاز، وقبل أن يختم دورته كان قد افتتح المرحلة الثالثة، حيث حمام السباحة والملاعب والمناطق الترفيهية، وبإجمالي أصول ثابتة ومنشآت يصل إلى ١٤٠ مليون جنيه، وهو الإنجاز الذي سخر منه خالد الدرندلي المرشح على منصب أمانة الصندوق في قائمة الخطيب، مدعيًا أن مجلس طاهر لم يفعل شيئًا في فرع الشيخ زايد سوى طلاء الجدران التي تركها مجلسهم السابق، وبذلك يكون أغلى طلاء مبنى في العالم.. بالفعل هناك فرق بين من يقدم للأعضاء أحلامًا وطموحات معلبة في أجهزة كمبيوتر وشاشات عرض، ومن يلمس معهم الواقع ويحقق لهم الإنجاز.

ثانيًا: لو عادت مجموعة الخمسة بالذاكرة، وفي مقدمتهم الخطيب، ستكتشف أن المجلس السابق تحدث عن استاد الأهلي، وكان من ضمن المشروعات التي طرحها حسن حمدي بعد حيازة الأرض، ومن وقتها لم يتخذ الأهلي خطوة واحدة في إعداد الدراسات الاقتصادية والرسومات الإنشائية والخطة التسويقية.

وبالمناسبة فهذه قصة كبيرة جدًّا ومعقدة "جدًّا جدًّا"، ومن العيب أن يسخر الخطيب أو مُعد هذا البرنامج من عقولنا ويستهزئ بقدرتنا على الفهم والتقدير، ويأتي لنا بخبير إنجليزي يعرض رسومات تخيلية لبناء استاد مُتخيَّل، دون أن يدرس الأرض ويعاين اتجاهاتها ومساحتها ومنافذ دخولها وخروجها وموقعها، والارتفاعات المسموح بها في المنطقة، والطبيعة الجيولوجية للتربة، وهي دراسات سيدرك الكابتن الخطيب ومن أعد له البرنامج ودفعه لهذا الخطأ التقني الكبير (وظني أنه العامري، الاختيار الكارثي الذي سيدفع الخطيب ثمنه غاليًا) أن رسومات الاستاد والدراسة الاقتصادية موضوع أكبر من أن يتم ضربه في مشروع انتخابي لاستمالة أصوات الأعضاء.

أتحدث عن دراسات عكف على العمل عليها مجلس طاهر لمدة ثلاث سنوات، وتعاقد قبل عام مع شركة فرنسية للتصميم النهائي، وحضر مهندسوها للقاهرة ودرسوا التربة وعدَّلوا التصميم أكثر من مرة، حتى يتوافق مع الارتفاعات، حيث إن جزءًا من الاستاد سيكون تحت الأرض، في حين قامت بالدراسة الاقتصادية شركة ألمانية، وحددت المسارات التي سيتم على أساسها طرح الأسهم وتمويل المشروع، الذي قد تصل تكلفته إلى ٤ ملايين جنيه.

وكان يتعيَّن على الخطيب وقائمته أن ينتظروا حتى يسمع ما سيقوله رئيس النادي في المؤتمر الصحفي لشرح ما وصل إليه النادي بشأن الاستاد.. وكنت أرى أنه من الأحرى به والأكثر إقناعًا أن يعلن أنه سيكمل ما بدأه محمود طاهر في شأن بناء الاستاد، في حالة فوزه برئاسة النادي، ولكن ما فعله سيضعه في موقف محرج أمام أعضاء الجمعية العمومية والجماهير التي تُعمل عقلها.

ثالثًا: من الرائع أن يعلن الخطيب ومجموعته أنهم سيولون للأعضاء الاهتمام الأكبر، وهذا ما يعني اعترافهم ضمنيًّا بما فعله محمود طاهر، عندما اهتم بالارتقاء بخدمات الأعضاء ومناطقهم الترفيهية، والتعامل معهم باحترام وآدمية، ووقتها اتُّهم بأنه مجلس الشماسي والكراسي. أما وإن الخطيب قد عاد إلى الحق الأصيل للأعضاء فإنني لا أفهم لماذا لم يفعل ذلك إبان كان نائبًا لرئيس الأهلي لمدة ١٢ عامًا كاملًا؟ وماذا حال دون أن يخدم الناس ويفتح المناطق الترفيهية التي تحدث عنها في برنامجه، وتوسيع حمامات السباحة وأماكن جلوس الأعضاء؟ وغيرها من الوعود الانتخابية، التي كنت أتمنى من معد البرنامج أن يراجع ما فعل مجلس طاهر حتى يعلم ماذا يريد أن يستكمله مَن يأتي بعده.

فالواقع يقول إن "طاهر" استكمل بناء المبنى الإداري في الجزيرة، الذي بدأ العمل فيه في عهد مجلس (حمدي- الخطيب) وتوقف العمل فيه تمامًا عام ٢٠١٠، وجاء مجلس طاهر ليفتتحه قبل مرور عام من ولايته، وفيه ملاعب الأسكواش، وجيم مزود بأحدث الأجهزة وغرف تغيير الملابس، إضافة للمكاتب الإدارية، ناهيك بتجديد صالة الجمباز وصالون الأعضاء في المبنى الاجتماعي الرئيسي، وصالة راتب، ومنطقة ألعاب الأطفال التي تكلفت ما يقرب من ٨ ملايين جنيه في فرعي النادي (الجزيرة ومدينة نصر)، وتجديد جميع الحمامات وغرف تغيير الملابس بشكل فاخر لا يقل عن حمامات الفندق، الذي أقام فيه الخطيب مؤتمره الصحفي، وحمام السباحة وغرف ملابس فريق الكرة، حتى الطرق داخل النادي أُعيد تجديدها بما يليق وقيمة وقدر وقامة الأهلي وأعضائه، وعشرات الإنجازات الأخرى، أرجو أن يراجعها القائمون على إعداد البرنامج التخيلي للكابتن الخطيب، حتى يأتي برنامجه استكمالًا لما بناه وجدده مجلس طاهر.

ولكن يبقى السؤال: ما الضمانة التي تدفعنا إلى أن نصدق وعود الخطيب وبرنامجه، الذي لا يتوافق وأفعاله وتصرفاته وأفكاره وقت أن كان يحكم الأهلي؟

سؤال من حق الرأي العام والأعضاء أن يجيبهم عليه الخطيب، كما أجابهم محمود طاهر بالأفعال لا بالأقوال.